الجاحظ

29

المحاسن والأضداد

في إخراج الصكاك من أحضر الأموال متناولا » ، قال : « إذن ، لا تجدي معرفتي بما يجب لأمير المؤمنين الهناء به بما يديم له منهم حسن الثناء ، ويستمد بدعائهم طول البقاء » . وقال الفضل بن سهل للمأمون : « يا أمير المؤمنين أجعل نعمتك صائنة لوجوه خدمك عن إراقة مائها في غضاضة السؤال » ، فقال : « واللّه لا كان ذلك إلّا كذلك » . قال ودخل العتابي على المأمون . فقال : « خبّرت بوفاتك فغمّتني ، ثم جاءتني ووفادتك فسرّتني » ، فقال : « يا أمير المؤمنين ! كيف أمدحك ، أم بما ذا أصفك ، ولا دين إلّا بك ، ولا دنيا إلّا معك ؟ » ، قال : « سلني ما بدا لك ؟ » قال : « يداك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة » . قال : وقدم السعدي أبو وجزة « 1 » على المهلب بن أبي صفرة ، فقال : « أصلح اللّه الأمير . إني قد قطعت إليك الدهناء ، وضربت إليك آباط الإبل من يثرب » . قال : « فهل أتيتنا بوسيلة أو عشرة أو قرابة ؟ » ، قال : « لا ، ولكني رأيتك لحاجتي أهلا ، فإن قمت بها ، فأهل ذلك ، وإن يحل دونها حائل ، لم أذمم يومك ، ولم أيأس من غدك » . فقال المهلب : « يعطى ما في بيت المال » . فوجد مائة ألف درهم ، فدفعت إليه ، فأخذها وقال : « يا من على الجود صاغ اللّه راحته * فليس يحسن غير البذل والجود عمّت عطاياك من بالشّرق قاطبة * فأنت والجود منحوتان من عود وقد يجب على العاقل الراغب في الأدب أن يحفظ هذه المخاطبات ، ويد من قراءتها ، وقد قال الأصمعي : أما لو أعي كلّ ما أسمع * وأحفظ من ذاك ما أجمع ولم استفد غير ما قد جمعت * لقيل : أنا العالم المقنع ولكن نفسي إلى كل شيء * من العلم تسمعه ، تنزع ،

--> ( 1 ) أبو وجزة السعدي هو الوليد بن عبد السلمي السعدي ، سكن المدينة وانقطع إلى آل الزبير وهو شاعر ومحدث من التابعين ، توفي سنة 130 ه .